ابن أبي شريف المقدسي
92
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
واعلم أن « كلامه النفسي » « 1 » لا يوصف بأنه متبعض ولا متجزئ ، ولا يوصف بأنه عبري ولا سوري ولا عربي ، إنما العبري والسوري والعربي هو اللفظ الدال عليه . ثم المخالف في صفة الكلام فرق : منهم مبتدعة الحنابلة ، قالوا : كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم ، وبالغوا حتى قال بعضهم جهلا : الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف « 2 » ، وهذا قول باطل بالضرورة . ومنهم الكرامية ، فإنهم وافقوا الحنابلة في أن كلامه تعالى حروف وأصوات ؛ ( « 3 » ولكنهم سموا ذلك قولا له « 4 » ) ، وسلموا أنه حادث ، وقالوا : قائم بذاته ، لتجويزهم قيام الحوادث به ، تعالى عما يقولون ، ( « 5 » وزعموا أن كلامه هو قدرته على التكلم وهم يثبتون قدم القدرة « 6 » ) . ومنهم المعتزلة ، قالوا : كلامه تعالى أصوات وحروف يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو الرسول ، وهو حادث عندهم خلافا للحنابلة . وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقول به ونسميه كلاما لفظيا ، ولكنا نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ، ونقول : هو الكلام حقيقة ، فهو قديم قائم بذاته ، وهو غير العبارات كما قدمناه ، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي ، وغير العلم إذ قد يخبر الرجل بما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه . واعلم أن قولنا : « العبارات تختلف باختلاف الأزمنة . . » يؤخذ منه الجواب عن سؤال مشهور وهو : إنه قد ورد الإخبار في كلام اللّه تعالى بلفظ المضيّ كثيرا نحو : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً ( سورة نوح : 1 ) ، وَقالَ مُوسى ( سورة الأعراف : 104 ) ، فَعَصى فِرْعَوْنُ ( سورة المزمل : 16 ) ، والإخبار بلفظ المضي عما لم يوجد يعدّ كذبا ، والكذب محال عليه تعالى .
--> ( 1 ) الكلام النفسي : هو الصفة القائمة بالنفس والتي يعبر عنها بالألفاظ ، وهي غير حقيقة العلم وغير الإرادة ، وإنما صفة مهيأة لأن يخاطب بها الآخرون على وجه الأمر أو النهي أو الإخبار ، تدل عليه الألفاظ ، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى . ( 2 ) انظر : الإرشاد ، للجويني ، ص 128 . ( 3 ) سقط من ( م ) . ( 4 ) سقط من ( م ) . ( 5 ) سقط من ( م ) . ( 6 ) سقط من ( م ) .